محمد أبو زهرة

1748

زهرة التفاسير

من مات تحت حر العذاب الشاق ، ثم هاجروا وخرجوا من ديارهم ، وهؤلاء أصحاب الأخدود الذين آذوا المؤمنين ، فصبروا ، وهم يلقون في النيران وقد قال سبحانه وتعالى : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ( 4 ) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ( 5 ) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ( 6 ) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( 7 ) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 8 ) [ البروج ] . وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وإذا كان الله سبحانه لا يكلف ما يشق أداؤه ، ولا يمكن احتماله ، إلا لعدد من الأقوياء جعلوا منار الهدى أمام الناس في كل العصور ، فإنه سبحانه يكلف الناس ما فيه خيرهم وتثبيتهم على الحق . ومعنى النص السامي وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ : لو ثبت أنهم فعلوا ما يكلفونه من تكليفات محتملة بينت لهم فيها نتائجها وثمراتها ، لكان فيها الخير لهم في الدنيا والآخرة ، ففي الآخرة يكون الثواب العظيم والنعيم المقيم ، وفي الدنيا يكون العدل والفضيلة ، والمصلحة الحقيقية ، وهذه الأمور هي خير الدنيا . فالشرع الإسلامي بنى على هذه الأمور الثلاثة : الأول الفضيلة المهذبة للنفس ، الموجهة إلى توثيق العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان ، والعبد وربه ، والسعي نحو الكمال الإنسانى ، والمنزلة الرفيعة . والثاني العدالة التي هي الميزان في العلائق الإنسانية التي ينتظم بها معاشهم ومعادهم ، والثالث المصلحة الحقيقية ، فما من مصلحة حقيقية ليست هوى ملحا ولا شهوة جامحة - إلا دعا إليها الإسلام ، وما من حكم جاء به التكليف الإلهى إلا طويت فيه المصلحة ، وكانت نتيجة وثمرة للأخذ به . ومعنى قوله تعالى : وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً أي يكون في الأخذ بالتكليف الذي يطاق تثبيت على الحق ، هو أشد تثبيت وأقواه . وكان في التكليف الذي يطاق تثبيت للحق ، لأنه يمكن الاستمرار عليه ، والاستمرار على فعل ما هو حق يثبته ويقرب الغاية منه ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى المداومة على الخير ولو كان